السيد الطباطبائي
349
تفسير الميزان
بكلامه يكلمهم بما يضطر عقولهم بقبوله من الحجج والبراهين والموعظة الحسنة وهو مع ذلك معجزة باهرة فلا يؤمنون بشئ آخر البتة ، وقد أخبر سبحانه أنه طبع على قلوبهم فلا سبيل لهم إلى فقه القول والايمان بالحق ، ولذلك عقبه بقوله في الآية التالية : " من يضلل الله فلا هادي له " الآية . قوله تعالى : " من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون " العمة الحيرة والتردد في الضلال أو عدم معرفة الحجة ، وإنما لم يذكر ما يقابله وهو أن من يهدي فلا مضل له لان الكلام مسوق لتعليل الآية السابقة : " فبأي حديث " الآية كأنه قيل : لم لا يؤمنون بحديث البتة ؟ فقيل : لان من يضلل الله الآية . ( كلام في الأسماء الحسنى في فصول ) 1 - معنى الأسماء الحسنى ؟ وكيف الطريق إليها ؟ نحن أول ما نفتح أعيننا ونشاهد من مناظر الوجود ما نشاهده يقع إدراكنا على أنفسنا وعلى أقرب الأمور منا وهي روابطنا مع الكون الخارج من مستدعيات قوانا العاملة لابقائنا فأنفسنا ، وقوانا ، وأعمالنا المتعلقة بها هي أول ما يدق باب إدراكنا لكنا لا نرى أنفسنا إلا مرتبطة بغيرها ولا قوانا ولا أفعالنا إلا كذلك ، فالحاجة من أقدم ما يشاهده الانسان ، يشاهدها من نفسه ومن كل ما يرتبط به من قواه وأعماله والدنيا الخارجة ، وعند ذلك يقضي بذات ما يقوم بحاجته ويسد خلته ، وإليه ينتهي كل شئ ، وهو الله سبحانه ، ويصدقنا في هذا النظر والقضاء قوله تعالى : " يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني " . وقد عجز التاريخ عن العثور على بدء ظهور القول بالربوبية بين الافراد البشرية بل وجده وهو يصاحب الانسانية إلى أقدم العهود التي مرت على هذا النوع حتى أن الأقوام الوحشية التي تحاكي الانسان الأولي في البساطة لما اكتشفوهم في أطراف المعمورة كقطان أميركا وأستراليا وجدوا عندهم القول بقوى عالية هي وراء مستوى الطبيعة ينتحلون بها ، وهو قول بالربوبية وإن اشتبه عليهم المصداق فالاذعان بذات ينتهي إليها أمر كل شئ من لوازم الفطرة الانسانية لا يحيد عنه إلا من انحرف عن إلهام